أبي طالب المكي
100
علم القلوب
وموضع شكواكم . وقال أبو جعفر النيسابوري « 1 » : وا عجباه ، كل من خاف من شئ أمر بالفرار منه ، وأنا أخاف منه ، وقد أمرني بطلبه . وقال أبو طالب المكي : قرأت في مصحف ابن مسعود ، رضى اللّه عنه : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [ الذاريات : 50 ] . وقال أبو طالب : ظاهر التوحيد هو توحيد اللّه في كل شئ ، وتوحيده بكل شئ ، ومشاهدة إيجاده قبل كل شئ ، ولا نهاية لعلم التوحيد ، ولا غاية لعطاء مزيد الموحدين ، ولكن لهم نهايات يقفون تحتها ، وغايات يصدرون عنها . وقال أبو طالب : لا يصل العبد إلى مشاهدة علم التوحيد إلا بعلم المعرفة ، وهو نور اليقين ، ولا يعطى نور اليقين حتى تمخض الجوارح كما يمخض الزق « 2 » باللبن حتى تظهر الزبدة ، وهذه مثل علوم القلب ، فينقل العبد إلى أعمال القلوب إذا ظهرت الزبدة وهي علم اليقين ، وليست هذه الزبدة غاية الطالبين ؛ لأن وراءها صفوها وخالصها . وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه جل ثناؤه خلق الخلق ، ثم رش عليهم من نوره ، فما أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأ [ ه ] ضل » ، فلذلك جف القلم على علم اللّه ، وقيل : إن اللّه عز وجل لما خلق النور ، خلق من النور الظلمة ، ثم خلق الظلمة ، وخلق من الظلمة النور ، ثم أخرج من النور نورا ، فصار نور النور ، ثم أخرج من الظلمة ظلمة ، فصار [ ت ] ظلمة الظلمة ، ولكل طائفة من خلق اللّه نصيب من النور والظلمة . وذكر في الأثر : خمس كلمات هن أصول لجميع أحوال الصادقين والصالحين : كفى بالتوحيد عبادة ، وكفى بالموت واعظا ، وكفى بالعبادة شغلا ، وكفى باليقين غنى ، وكفى بالحكمة كنزا ، وكفى بالخشية علما . أم هانىء ، رضى اللّه عنها ، قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا أحدثك بحديث ؟ » ، قلت : بلى يا رسول اللّه ، قال : « إذا كان يوم القيامة ، جمع اللّه الناس في صعيد واحد ،
--> ( 1 ) هذه العبارة كررت مرة ثانية بعد قوله : إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ، ولذلك حذفنا التكرار . ( 2 ) الزق وعاء من جلد يمخض فيه اللبن ، واللبن الممخوض والمخيض هو الذي أخذ زبده ، والمحض - بالحاء المهلمة - هو اللبن الخالص الذي لم يخالطه الماء ، حلوا كان أو حامضا .